عبد الكريم الخطيب

880

التفسير القرآنى للقرآن

هذا القرآن لم يتجه إلى الجبل ، وإنما اتجه إلى الإنسان . . ومع هذا فإن كثيرا من الناس لم يقع هذا القرآن منهم موقعه من الجبل الأصم لو نزل عليه . . فلم يخشعوا له ، ولم تلن قلوبهم به . . فهناك في الناس قلوب قاسية ، أشد قسوة من حجارة هذا الجبل ، كما يقول سبحانه : « ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ » ( 74 : البقرة ) وكما أن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار ، وما يشقق فيخرج منه الماء ، وما يهبط من خشية اللّه - فكذلك في القلوب ما يفيض بالخير ، فيكون أشبه بالنهر العظيم أو النبع الصافي يعيش في خيره الناس ، وكذلك في القلوب ما يلين ويخشع لذكر اللّه . « الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » ( 2 : الأنفال ) فمن قرأ القرآن ، أو استمع إليه ، ولم يخشع قلبه له ، ولم ينضح بقطرات من الخير والإحسان ، ولم تبرق في سمائه بروق الهدى والإيمان - فليعلم - إن كان منه أن يعلم - أنه دون بعض الأحجار ، قبولا للخير ، وتأثرا به . . قوله تعالى : « وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » أي وهذه الأمثال التي يسوقها القرآن للناس ، إنما هي لتقريب الحقائق إلى عقولهم ، ليروا على مرآتها أحوالهم ، وما في تلك الأحوال من انحراف أو عوج ، حتى يقوموا منها ما انحرف ، ويصلحوا ما اعوج . . هذا إذا كانت لديهم عقول يعقلون بها . . فهذه الأمثال ، إنما هي لمن يعقل ، ويتفكر فيما عقل . . قوله تعالى : « هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ »